محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

165

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قولهم آمنّا ؛ وقرأ الباقون بالتشديد ، أي بتكذيبهم . قال أبو عمرو : إنّما عوتبوا على التكذيب لا على الكذب ؛ ولغيره أن يقول : عوتبوا عليهما جميعا . ولمّا كانت هذه الآيات « 1 » لبيان أحوال المنافقين اتّصل بعضها ببعض ؛ وظهر وجه النظم فيها بذكر أسباب النفاق وسوء عاقبته . الأسرار ثمّ إنّ المرض في القلوب هو المرض في النفوس ؛ وذلك أنّ الأمراض تنقسم إلى أمراض جسمانية ، وهو خروج المزاج عن الاعتدال واتّصافه بالاعتلال ، وإلى أمراض نفسانية وهو خروج العقل عن الاعتدال واتّصافه بالشكّ والضلال ؛ وكما أنّ المزاج إنّما يبقى على اعتدال الطبيعة إذا كان الغذاء موافقا ، والآفات الطارئة مندفعة ، كذلك النفس إنّما تبقى على اعتدال الشريعة إذا كان الغذاء حقّا وصدقا ، والآفات الطارئة من الأخلاق مندفعة ؛ وكما أنّ الأمراض الجسمانية إذا لم تتدارك بحسن التدبير أفضت بصاحبها إلى الهلاك ، كذلك الأمراض النفسانية إذا لم تتدارك بالتوبة والتطهير أفضت بصاحبها إلى الخسران المبين والعذاب الأليم . ( 68 ب ) وتلك الأمراض البدنية مبادئها معلومة ؛ ومبادئ الأمراض النفسانية : الشكّ ، والنفاق ، والجحود ، والعناد بالرأي ، والهوى ، والاستبداد ، والتكبّر على الأمر وصاحب الأمر ، واتّباع الهوى ، وطول الأمل ، والحرص الشديد على طلب الجاه والمال ، والبخل ، والشحّ المطاع ، والفحشاء والمنكر ، والبغي ، والحسد والحقد ، والعداوة ، وحبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ، والاستكثار ممّا قلّ منه خير ممّا كثر ، والاستقلال ممّا كثر منه خير ممّا قلّ ، وأمثال ذلك ؛ فتمرض بها النفس ويموت بها القلب فيخبر عنه التنزيل بأنّهم أموات غير أحياء ؛ فيمرضون وهم أصحّاء ، ويموتون وهم أحياء ؛ وفي آذانهم وقر وهم يسمعون ، وعلى أبصارهم غشاوة وهم يبصرون ، وبألسنتهم بكم وهم ينطقون : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النظم .